المقريزي

187

المقفى الكبير

والزهادة ، وقال لأصحاب قلعة الموت : نحن قوم ضعفاء زهّاد نريد عبادة اللّه عندكم ، فبيعونا نصف هذه القلعة ! فباعوها منها بتسعة آلاف دينار وسكنوا فيها ، فاستولى عليها ، وبلغ خبره ملك تلك الناحية فقصده بعسكره ليحاربه ، فقال عليّ اليعقوبيّ للحسن بن صبّاح ولمن معه : أيّ شيء يكون لي عندكم إن كفيتكم أمر هذا العسكر ؟ فقال : نذكرك في تسابيحنا . فقال : رضيت . ونزل بهم ، وقسمهم أرباعا في أرباع العسكر . وجعل معهم طبولا وقال : إذا سمعتم الصائحة فاضربوا الطبول . ثمّ هجم على صاحب العسكر في الليل وقتله ، فوقع الصياح في العسكر ، فضرب أولئك الطبول ، فلم يثبت العسكر لما ملأ قلوبهم من الخوف وفرّوا بأجمعهم وتركوا خيامهم ، فنقلها أصحاب ابن الصبّاح إلى قلعة الموت . ومن ذلك الوقت سنّوا سنّ [ ة ] « 1 » السكّين ، واغتالوا الملوك والرؤساء ، وكثر قتلهم للناس . فاستدعي الإمام أبو حامد الغزالي إلى نيسابور وأقام بالمدرسة النظاميّة فيها واشتغل بمناظرة أصحاب ابن الصبّاح وألّف كتاب « المستظهري » ، وأجاب عن مسائلهم . وجدّ السلطان ملكشاه في قلعهم فلم يتمكّن من ذلك . فلمّا مات المستنصر باللّه في ذي الحجّة سنة سبع وثمانين وأربعمائة ، ادّعى الحسن بن الصبّاح أنّه قال للمستنصر لمّا كان عنده : « من الإمام بعدك ؟ قال : ولدي نزار » ، وأنكر إمامة المستعلي ودعا لنزار ابن المستنصر . فلمّا قتل نزار في ذي القعدة سنة ثمان وثمانين ، قال أصحاب ابن الصبّاح له : إنّك تدّعي حضوره . فقال لهم : الآية في ذلك أن يطلع القمر في غير وقته من غير مطلعه . ثمّ عمد إلى جبل بجانبهم شديد الارتفاع ، وعمل بعض مخاريقه فصار يرى كالقمر قد طلع من وراء الجبل . فعند ذلك صار بعضهم يبشّر بعضا بالإمام نزار . وأقرفوا « 2 » من أهل مصر وشرعوا في افتتاح الحصون فأخذوا قلاعا . واشتغلوا بعمل السكّين التي سنّها لهم علي اليعقوبيّ ، وأخذ ابن الصبّاح يقول لأصحابه : إنّ الإمام نزارا بين أعداء كثيرة ، والأعداء محيطة به ، والبلاد بعيدة ، ولم يتمكّن من الحضور ، وقد عزم على أن يستخفي في بطن امرأة ويستأنف الولادة ليجيء سالما . فصدّقوه في ذلك ، وأخرج إليهم جارية حبلى ، وقال لهم : « إنّ الإمام قد اختفى في هذه » ، فعظّموها حتى ولدت ذكرا وسمّاه حسنا ، وقال : قد تغيّر الاسم بتغيير الصورة . وفي المحرّم سنة ثلاث وخمسمائة سيّر السلطان محمد بن ملكشاه وزيره أحمد ابن نظام الملك إلى قلعة الموت لقتال الحسن بن الصبّاح ، فحصره وهجم عليه الشتاء ، فعاد بغير طائل . وفي سنة خمس وخمسمائة ندب أيضا لقتاله الأمير أنوشتكين شيركير صاحب ساوة « 3 » ، فملك عدّة قلاع للحسن بن الصبّاح ونزل على قلعة الموت بعساكره ، وأمدّه السلطان محمّد بعدّة من الأمراء ، فجدّ في قتال الحسن وبنى له مساكن يسكنها هو ومن معه . فضاق الأمر على الحسن

--> ( 1 ) قراءة ظنّيّة . ( 2 ) أقرف به وأقرفه : عابه . ( 3 ) ساوة : بين الريّ وهمذان ( ياقوت ) .